الشوكاني
225
فتح القدير
أو هو أمر للمؤمنين بالصبر على ما يحل بهم من أذى الكفار حتى ينصرهم الله عليهم ( قال الملأ الذين استكبروا من قومه ) أي قال الأشراف المستكبرون ( لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك ) لم يكتفوا بترك الإيمان والتمرد عن الإجابة إلى ما دعاهم إليه ، بل جاوزوا ذلك بغيا وبطرا وأشرا إلى توعد نبيهم ومن آمن به بالإخراج من قريتهم أو عوده هو ومن معه في ملتهم الكفرية : أي لا بد من أحد الأمرين : إما الإخراج ، أو العود . قال الزجاج : يجوز أن يكون العود بمعنى الابتداء ، يقال عاد إلى من فلان مكروه : أي صار وإن لم يكن سبقه مكروه قبل ذلك فلا يرد ما يقال : كيف يكون شعيب على ملتهم الكفرية من قبل أن يبعثه الله رسولا ؟ ويحتاج إلى الجواب بتغليب قومه المتبعين له عليه في الخطاب بالعود إلى ملتهم ، وجملة ( قال أو لو كنا كارهين ) مستأنفة جواب عن سؤال مقدر ، والهمزة لإنكار وقوع ما طلبوه من الإخراج أو العود ، والواو للحال : أي أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهتنا للعود إليها ، أو أتخرجوننا من قريتكم في حال كراهتنا للخروج منها ، أو في حال كراهتنا للأمرين جميعا ، والمعنى : إنه ليس لكم أن تكرهونا على أحد الأمرين ولا يصح لكم ذلك ، فإن المكره لا اختيار له ولا تعد موافقته مكروها موافقة ولا عوده إلى ملتكم مكرها عودا ، وبهذا التقرير يندفع ما استشكله كثير من المفسرين في هذا المقام حتى تسبب عن ذلك تطويل ذيول الكلام ( قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم ) التي هي الشرك ( بعد إذ نجانا الله منها ) بالإيمان فلا يكون منا عود إليها أصلا ( وما يكون لنا ) أي ما يصح لنا ولا يستقيم ( أن نعود فيها ) بحال من الأحوال ( إلا أن يشاء الله ) أي إلا حال مشيئته سبحانه ، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن . قال الزجاج : أي إلا بمشيئة الله عز وجل ، قال : وهذا قول أهل السنة ، والمعنى : أنه لا يكون منا العود إلى الكفر إلا أن يشاء الله ذلك ، فالاستثناء منقطع ، وقيل إن الاستثناء هنا على جهة التسليم لله عز وجل كما في قوله - وما توفيقي إلا بالله - وقيل هو كقولهم لا أكلمك حتى يبيض الغراب ، وحتى يلج الجمل في سم الخياط ، والغراب لا يبيض : والجمل لا يلج ، فهو من باب التعليق بالمحال . ( وسع ربنا كل شئ علما ) أي أحاط علمه بكل المعلومات فلا يخرج عنه منها شئ ، وعلما منصوب على التمييز ، وقيل المعنى ( وما يكون لنا أن نعود فيها ) أي القرية بعد أن كرهتم مجاورتنا لهم ( إلا أن يشاء الله ) عودنا إليها ( على الله توكلنا ) أي عليه اعتمدنا في أن يثبتنا على الإيمان ، ويحول بيننا وبين الكفر وأهله ويتم علينا نعمته ويعصمنا من نقمته . قوله ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ) الفتاحة الحكومة أي احكم بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الحاكمين ، دعوا الله سبحانه أن يحكم بينهم ولا يكون حكمه سبحانه إلا بنصر المحقين على المبطلين : كما أخبرنا به في غير موضع من كتابه فكأنهم طلبوا نزول العذاب بالكافرين وحلول نقمة الله بهم ( وقال الملأ الذين كفروا من قومه ) معطوف على ( قال الملأ الذين استكبروا ) يحتمل أن يكون هؤلاء هم أولئك ، ويحتمل أن يكونوا غيرهم من طوائف الكفار الذين أرسل إليهم شعيب ، واللام في " لئن اتبعتم شعيبا " موطئة لجواب قسم محذوف : أي دخلتم في دينه وتركتم دينكم ( إنكم إذا لخاسرون ) جواب القسم ساد مسد جواب الشرط ، وخسرانهم : هلاكهم أو ما يخسرونه بسبب إيفاء الكيل والوزن وترك التطفيف الذي كانوا يعاملون الناس به ( فأخذتهم الرجفة ) أي الزلزلة ، وقيل الصيحة كما في قوله - وأخذت الذين ظلموا الصيحة - ( فأصبحوا في دارهم جاثمين ) قد تقدم تفسيره في قصة صالح . قوله ( الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها ) هذه الجملة مستأنفة مبينة لما حل بهم من النعمة ، والموصول مبتدأ ، وكأن لم يغنوا خبره : يقال غنيت بالمكان إذا أقمت به وغنى القوم في دارهم أي طال مقامهم فيها والمغنى : المنزل ، والجمع المغاني . قال حاتم الطائي :